لنتسلَّق - عرب فايف

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لنتسلَّق - عرب فايف, اليوم السبت 29 مارس 2025 03:13 صباحاً

يوجد في دير القدِّيسة كاترينا في سيناء أيقونة من أواخر القرن الثاني عشر الميلاديِّ، تُظهر مشهدًا يجعلنا نرتجف ونعيد النظر في كلِّ مسار حياتنا، تيمُّنًا بما نقوله في الطلبة في القدَّاس الإلهيِّ: «أن نتمِّم بقيَّة زمان حياتنا بسلام وتوبة، الربَّ نسأل».

الأيقونة تنتمي إلى عائلة الأيقونات التعليميَّة (didactiques) لكونها تمثِّل ما دوَّنه القدِّيس يوحنَّا السُلَّميُّ، الراهب الَّذي تنسَّك في سيناء في القرن السابع الميلاديِّ، واختير في سنِّه الأربعين رئيسًا لدير القدِّيسة كاترينا حيث برز يوحنَّا كملاك نورانيٍّ.

لُقِّبَ القدِّيس يوحنَّا بالسلَّميِّ لأنَّه كتب، بطلب من رئيس دير رايثو في سيناء أيضًا (معروف حاليًّا بدير الوادي)، إرشادات للرهبان في جهادهم النسكيِّ.

شرح يوحنَّا عمليَّة التنقية واكتساب الفضائل بشكل تدرُّجيٍّ على شاكلة سُلَّم من ثلاثين درجة على عمر الربِّ يسوع المسيح قبل أن يبدأ تبشيره. شكَّلت كلُّ درجة فضيلة لبلوغ الملكوت السماويِّ. استوحى القدِّيس فكرته من رؤيا يعقوب في العهد القديم: «ورأى حلمًا، وإذا سلَّمٌ منصوبة على الأرض ورأسها يمسُّ السماء، وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها» (تكوين 28: 12).

الدرجة الأولى «الزّهد» والدرجة الأخيرة «المحبَّة» لأنَّ الله محبَّة.

وقد جعلت الكنيسة الأحد الرابع من الصوم الأربعينيِّ المقدَّس على اسم القدِّيس، لكون تعليمه لا ينحصر بالرهبان فحسب، بل هو لكلِّ من يشتهي ملكوت السموات. ويعتبر مدوِّنه المعروف باسم «السُلَّم إلى الله» بمثابة خارطة طريق للسير على الطريق المستقيم. فكلُّ درجة هي كنز وترياق للتخلُّص من الأهواء المعيبة والنجاة من فخاخ الشيطان الَّذي يتسلَّل إلى نفوسنا من خلال ضعفاتنا. فالخطايا تنمو من الضعفات. كلٌّ منَّا مليء بضعفات شتَّى، ولا حلَّ لشفائها إلَّا بالاعتراف بها وجعل الربِّ يداويها، فهو طبيب نفوسنا وأجسادنا. عكس ذلك الكبرياء. المرض الكبير هو الادِّعاء بعدم وجودها، أو بتجاهلها، والأسوأ هو الهروب منها وعدم التحلِّي بالشجاعة والثقة بالربِّ لمواجهتها بنعمة القدُّوس. ليتنا نأخذ ما حصل مع المرأة النازفة الَّتي ما إن لمست هُدْبَ ثَوْبِ يسوع حتَّى شفيت في الحال. فيكفي أن يلمس الربُّ ضعفنا لنشفى، وما علينا إلَّا اختراق جموع الخطايا وكلِّ ما يبعدنا عنه لنقترب منه.

بدأ القدِّيس يوحنَّا السلَّميُّ بالزهد لأنَّه أدرك يقينًا أنَّه عندما ينطلق الإنسان في علاقته مع الله يكون متمسِّكًا بأمور كثيرة ومتعلِّقًا بها، كما يسعى لاكتساب أمور عديدة ظانًّا أنَّها تساعده في تحقيق ذاته، ولكن إن كان حقًّا مجاهدًا حقيقيًّا وصادقًا في جهاده يكتشف العكس تمامًا، ويكتشف أنَّ التخلِّي (Le détachement) هو الأساس، هو الغنى الحقيقيُّ، لأنَّه بقدر ما نتخلَّى عن تعلُّقنا بالأمور الفانية، مهما عظمت، نغتني من نِعَم الربِّ الَّتي تجعلنا نحلِّق نحو العلى مثل الملائكة، فبقدر ما نزهد ونتخلَّى نرتفع. عمليَّة التخلِّي تعني ألَّا نتعلَّق بشيء إلَّا بالربِّ، ويكون الأوَّل في حياتنا ومشتهانا أيًّا كنَّا، رهبانًا أو إكليريكيِّين أو غير إكليريكيِّين.

بالعودة إلى الأيقونة، فهي بطول 41 سم وعرض 29،5 سم. نشاهد فيها رهبانًا ملامح الجهاد ظاهرة على وجوههم ويتسلَّقون السلَّم المكوَّن من ثلاثين درجة نحو السماء، والربُّ يسوع واقف في الزاوية اليسرى العليا للأيقونة يستقبل الوافدين. الوافدون هم المنتصرون والغالبون لأنَّهم اتَّحدوا بالغالب والمنتصر والقائم، الربِّ يسوع المسيح. أوَّل الواصلين في الأيقونة هو يوحنَّا السلَّميُّ وخلفه رئيس أساقفة سيناء أنطونيوس. في الزاوية اليمنى المقابلة ملائكة يفرحون ويهلِّلون، فالوافدون أصبحوا رَعِيَّة واحدة مع القدِّيسين الَّذين سبقوهم وأهل بيت الله.

خلفيَّة الأيقونة ذهبيَّة، والذهب يشير إلى الملكوت الصافي الخالي من كلِّ خطيئة. شعاع الذهب النورانيُّ يظهر بقوَّة سواد الشياطين الَّتي توقع الرهبان الَّذين لم يتخلَّوا بالكامل عن كلِّ ما هو أرضيٌّ، وشياطين أخرى ترمي رهبانًا بسهام التجارب. فالَّذي لا يعترف بخطاياه وسقطاته ولا يتوب عنها ينضمُّ إلى المأسورين في أسفل الأيقونة. كما نشاهد الشيطان يفتح فاه ويلتهم راهبًا سقط من السُلَّم.

ختامًا، تحاكينا الأيقونة، كما تعليم القدِّيس يوحنَّا السلَّميِّ، بأهمِّيَّة اليقظة الروحيَّة من أجل تنقية حقيقيَّة، فما ينتظرنا عظيم ورهيب. فلنرتِّل بفم واحد صارخين: «افتح لي أبوابَ التوبة يا واهبَ الحياة. لأنَّ روحي تبتكر إلى هيكلِ قُدسِك آتيًا بهيكلِ جسدي مدنَّسًا بجملته. لكن بما أنَّكَ مُتعطِّفٌ، نَقِّني بتحنُّنِ مراحِمِك».

إلى الربِّ نطلب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق