كتب احمد عبدالباسط الرجوب
في خطوة مفاجئة هزّت الأسواق العالمية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 2 ابريل / نيسان 2025 فرض رسوم جمركية شاملة على الواردات، مع زيادات كبيرة على منتجات عشرات الدول. هذا القرار، الذي وصفه البعض بـ"القنبلة الاقتصادية"، أثار موجة من الذعر أعادت إلى الأذهان ذكريات الأزمات المالية السابقة.
فهل يُشكّل هذا القرار بداية حرب تجارية عالمية؟ أم أنه خطة استراتيجية لإنعاش الاقتصاد الأمريكي؟
برّر ترامب قراره برغبته في دعم الاقتصاد الأمريكي عبر:
-تقليل العجز التجاري الكبير الذي سجّل أرقاماً قياسية.
-تشجيع الشركات العالمية على الإنتاج محلياً داخل الولايات المتحدة.
-حماية الوظائف في الصناعات المحلية المتعثرة.
لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تعتمد العديد من الصناعات الأمريكية على المواد الخام المستوردة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة الأسعار على المستهلكين.
ارتدادات القرار: أسواق في حالة ذعر
لم تمر ساعات على الإعلان حتى بدأت التداعيات تظهر بوضوح:
-انهيار حاد في مؤشرات وول ستريت، مع تسجيل خسائر فادحة.
-تراجع قيمة الدولار أمام العملات الرئيسية.
-انخفاض كبير في أسعار النفط.توجه المستثمرين نحو أصول أكثر أماناً هرباً من التقلبات.
ولم تتأخر ردود الفعل العالمية، حيث أعلنت دول كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي فرض رسوم انتقامية على المنتجات الأمريكية. كما اتهمت حكومات كثيرة ترامب بمخالفة قواعد التجارة العالمية، محذّرة من انهيار النظام الاقتصادي الدولي لصالح تحالفات جديدة.
يرى المحللون أن القرار قد يؤدي إلى:
1.ارتفاع حاد في الأسعار، مع توقعات بزيادة التضخم بشكل ملحوظ.
2.عبء إضافي على الأسر الأمريكية، التي قد تضطر لدفع آلاف الدولارات سنوياً.
3.تباطؤ في النمو الاقتصادي، وربما دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ركود.
تحذيرات الخبراء: "مغامرة خطيرة": وصف خبراء اقتصاديون بارزون القرار بأنه "إدارة عشوائية للاقتصاد"، بينما دعا سياسيون معارضون إلى ضرورة وقف هذه الإجراءات قبل فوات الأوان.
السؤال الأكبر: من سينتصر في النهاية؟
رغم تأكيد الإدارة الأمريكية أن الإجراءات مؤقتة، إلا أن المخاطر تلوح في الأفق، ومنها:
-تصعيد التوترات مع الصين إلى حرب اقتصادية شاملة.
-تحوّل النظام التجاري العالمي لصالح تحالفات منافسة.
-تآكل الثقة في الدولار كعملة عالمية مهيمنة.
هل هناك أبعاد خفية؟
في خضم هذا التصعيد الاقتصادي، تبرز تحليلات تربط بين هذه الإجراءات الجمركية وبين سياقات جيوسياسية أوسع، تحديداً الملف الإيراني. حيث يرى مراقبون أن كلاً من الصين وروسيا قد تدفعان الولايات المتحدة نحو مزيد من التوتر في هذا الملف، عبر تأزيم الساحة الدولية بشكل غير مباشر، ما يشبه "جرّ ترامب نحو الفرن الإيراني"، بهدف استنزاف واشنطن وتشتيت تركيزها.
هذا التصعيد، إذا تزامن مع الحرب التجارية، قد يُشعل فتيل أزمة اقتصادية وجيوسياسية مزدوجة، ويضع الولايات المتحدة – وإدارة ترامب تحديداً – في وضع لا تُحسد عليه، خصوصاً مع تحوّل الأسواق إلى ساحة معركة مفتوحة.
رأي تحليلي: بين الواقعية الاقتصادية والمقامرة السياسية
إن قرار الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية شاملة لا يمكن فصله عن النزعة "الحمائية Protectionism" وهي توجه أو سياسة اقتصادية تتبناها بعض الدول لحماية صناعاتها المحلية من المنافسة الأجنبية والتي تُمثل جوهر فلسفته الاقتصادية. فهو يسعى لإعادة تشكيل المنظومة الاقتصادية الدولية بما يخدم مصالح أمريكا أولاً، حتى وإن تعارض ذلك مع مبادئ العولمة التي كانت واشنطن نفسها من أبرز روّادها لعقود.
لكن ما يغفله هذا التوجه هو أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد كياناً معزولاً، بل جزءاً من شبكة مترابطة من سلاسل التوريد العالمية، والتدخل الحاد في هذه المنظومة قد يؤدي إلى ارتدادات عنيفة على الداخل الأمريكي نفسه، قبل أن تصيب الخارج.
وفي ضوء التصعيد المتبادل، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة "تعددية اقتصادية قسرية"، تتشكل فيها تكتلات بديلة بعيداً عن النفوذ الأمريكي، وهو ما قد يُفقد واشنطن مكانتها المركزية في النظام الاقتصادي العالمي.
إن استدامة أي إصلاح اقتصادي تتطلب توازناً بين المصالح الوطنية والانفتاح على شركاء العالم. أما استخدام الاقتصاد كأداة ضغط سياسي، فقد يحقق مكاسب سريعة، لكنه على المدى البعيد... مقامرة محفوفة بالمخاطر.
الختام: مستقبل غامض
هل ستحقّق هذه الخطوة وعود ترامب بخلق ملايين الوظائف؟ أم أنها ستُسجَّل في التاريخ كصدمة اقتصادية تسببت في أزمة عالمية؟
المشهد الحالي يُشبه برميل بارود... والشرر قد اشتعل بالفعل!
0 تعليق