كيف لهذا الصمتِ أن يكون؟ كيف لهذا العجزِ أن يطول؟ كيف لهذا الذلِّ أن يُسجَّل على صفحاتِ التاريخ كعارٍ لا يُمحى؟
في غزة، ليس الموتُ خبراً يُذاع، بل هو رُكامٌ يُنثرُ على الأرصفة، وأشلاءٌ تُجمَّع من تحت الأنقاض، وطفولةٌ تذوبُ كالشمعِ تحت القذائف. هناك، ليست المجازرُ حدثاً عابراً، بل هي جدولٌ يوميٌّ يتكررُ مع كل شروقٍ بلا استثناء، وضحايا بلا أسماء، ودماءٌ تتدفَّقُ كأنها نهرٌ يطهرُ الأرض من صمتِ العالم وخيانته.
يا أطفالَ غزة… من يُنقذكم من وحشيةِ الغُزاة؟
من يُنصِفُ أعيناً لم تعرف من الدنيا إلا أزيزَ الطائرات؟ من يمسحُ على رأسِ يتيمٍ خسرَ كُلَّ شيءٍ قبل أن يخطوَ نحو الحياة؟ من يُعيدُ الضحكاتِ إلى شفاهٍ احترقت بلهيبِ الفقد؟
يا نساءَ غزة… من يسمعُ صراخَكم وسط صممِ العالم؟
من يُنصِفُ أمًّا احتضنت طفلها وهي تهمسُ في أذنه: "لا تخف… سنصعدُ معاً إلى السماء!” من يعيدُ الأمان إلى قلوبٍ لم تذُق منه إلا سرابَ البياناتِ والشجبِ الخجول؟
يا رجالَ غزة… يا أبطالَ الأرضِ والسماء!
أنتم وحدكم تُقاتلون، وحدكم تُقاومون، وحدكم تصرخون في وجهِ الصمتِ المدجَّجِ بالنفاقِ والسلاح، وحدكم تحفرون أسماءكم على صخورِ الخلودِ بدمائِكم الطاهرة، بينما القابعون في العروش يبيعون صمتَهم في أسواقِ المصالحِ الدولية!
وأما أنتم يا صامتون… فبأيِّ وجهٍ تلقَون الله؟
يا من بعتم الغضبَ بالمُساومة، والشرفَ بالخنوع، والقضيَّةَ بالأوهام، أيُّ أعذارٍ تُسعفُ وجوهَكم أمام أطفالٍ دُفِنوا وهم يحتضنون كُتُبَهم؟ بأيِّ تبريرٍ تُواجهون أُمّاً تفترشُ جثمانَ ابنها وتغنّي له كما كانت تفعلُ وهو رضيع؟
إنها المجزرةُ العظمى… وليست مجرد حرب!
إنه السُّقوطُ الأخيرُ للإنسانية… وليس مجرد صراع!
إنه العارُ الذي سيُكتبُ في صحائفِ التاريخِ بحروفٍ من دمٍ، وستظلُّ غزةُ رغم ذلك عنوانَ العزِّ والصمود، وستظلُّ جراحُها ندوباً على وجهِ عالمٍ خانَ الحقَّ وسكتَ عن الذبحِ كأنَّ الضحايا ليسوا من البشر!
يا غزة، لا تستجدي صمتاً يخجلُ من خزيهِ! لا تنتظري أصواتاً تأخّرت حتى نَسِيَت كيف يكونُ الكلام! لكِ وحدكِ المجدُ، ولكِ وحدكِ العلوُّ، فالأبطالُ يُخلِّدهم التاريخُ بالدماءِ لا بالكلمات!
0 تعليق